
لايمكن أن تنشأ أمّة أو تنهض حضارة دون أن يدفع أهلها أثماناً باهظة بدأ السومريون وخلفائهم البابليون بعقد صفقة مع القدر، بموجبها بذلوا الدمَ والألم والدموع، وقبلوا الموت والحرب والغزو، وعاشوا مآسي الطوفان والوباء والقحط، ثمّ وزنوا ذلك بالحكمة والشريعة والدين والنظام والفن والقانون رضوا بذلك وتراضوا، وتواصوا عليه، جيلاً بعد أخر خلّفوا بعدهم الحكمة والعبرة لمن يتعمّق في جذور القصب، و يتذوّق ملح الأرض، و يستطعم مواويل الحزن ...
وفي أثارهم تركوا رٌقَم الطين، و ألواح الكتب، و نثار الخزف، و تلال التراب، و جدران المدن الخاوية في أناشيد السومريين و من سار على خطاهم إلى اليوم، تمتزج الدموع بالأهازيج، و الأغاني بالمناحات، و الفرح بالخوف، و في فلسفتهم الغريبة سجّل العراقيون القدماء قصّة الموت و الحياة في دموعهم و أحزانهم، و خراب مدنهم على شواطيء الفرات القديم تمتدّ خرائب الآجر، و حطام الخزف الذي يشهد بإحتضار أمّة، و إنبعاث أمم الموت و الحياة يتناوبان على أرض الرافدين، و يتعرّج بينهما الفرات، شريان الحياة لا شيءَ يدوم هنا مهد الإنسان، الأرض السمراء، تكرّ عليها القرون و يفيضُ عليها الفرات، و تتزايل فوقها الأمم الألم فن تنتجه الشعوب التي تعلّمت أن تتذوق سيمفونية الألم، و تأوّله إلى أغاني و دموع و اساطير، و إلى أمل و إيمان وعزم و نهوض.
لم تكن بالجديدة صرخة جلجامش حين شاهد جثّة صديقه، و قرين روحه، إنكيدو المسجّى على فراش الموت، لكن جلجامش في ساعتها الرهيبة تلك، لم يكن بطلاً إسطورياً خارقاً، و لا نصف إله، كان بشراً من طين، فجّعته المصيبة، و لوّعه الموت، وصدّعه الخوف كان إنساناً فانياً و حسب، و بكلّ ماتعنيه الكلمة ولأنّ الدموع قد اغرقته، و الحزن قد أضناه؛ يجب أن نتذكّره جيداً، ونتعلّم منه دروس الحياة إنّه الإنسان، يقف في مواجهة قوّة خارقة لها صلاحية أن تعدم الحياة، و تفني الوجود، وتغرّب الحبيب عن حبيبه لا يمكن لجلجامش أن يسأل الموت؛ لماذا أخذت أنكيدو، وبأي جرمٍ إستحال إلى العدم؟
مشكلة الموت أنّه غير مبالٍ بنا، وهو يجهل دموعنا، و لا يعرف أسرار مشاعرنا للموت رغبة واحدة ... رغبة واحدة مؤكدة، أن يعود بكلّ الأجساد التي يلمسها إلى الطين؛ لذلك عشق العراقيون الطين، وتفننوا في تخليقه. صنعوّا منه آجرّاً، عقّموه بالنار ليتطهّر. غرسوا في جوفه الكلمات حتى تكون للطين ذاكرة. زيّنوه بالحكمة، وزوّقوه باللون؛ حتى يكلّمهم لو إستنطقوه ... نحتوا منه أجساداً لكلّ ذي حياة، وظنّوا أن الموت لا يستطيع أن ينقلب ضد ذاته ... ليس للموت من رغبة أكثر من العدم؛ لذلك صنعوا من العدم حضارة؛ ومهّدوا بحكتمهم طرق التوحيد، و فلسفة التنزيه: أن الله قد خلق الحياة من العدم، ومن الطين (أصغوا إليّ ايها الشيوخ وإسمعوا قولي من أجل إنكيدو، خلّي وصديقي ، أبكي و أنوح نواح الثكلى إنّه الفأس التي في جنبي، و قوة ساعدي و الخنجر الذي في حزامي و المجن الذي يدرأ عني و فرحتي و بهجتي و كسوة عيدي) (ملحمة جلجامش، الدكتور طه باقر، دار الحرية، ط4، بغداد، 1980، ص72)
تنسجم عبارات ومقاطع ملحمة جلجامش مع سيمفونية الحزن والألم. إنّها تنخفض وتنقطع وتيرتها حين يتغلّب الألم، ويضغط اليأس على أنفاسنا، وتصخب ويعلوا نشيجها حين تنفجر حمم اليأس، وتندلع ألسنة اللهب من صدورنا تنفرج آهات جلجامش مع كلّ زفير، وتتحشرج أنفاسه مع كلّ شهيق. لقد تركه الموت أعزلاً، ضعيفاً، خائفاً، غريباً، يستغيث بشيوخ أوروك، يستأنس لديهم المشورة، أو لعلّهم يحملون عنه بعض أثقال تفجّعه... قبل هذه الساعة الرهيبة، لم يكن الموت بالنسبة لجلجامش المغترّ بقوته، أكثر من حدثٍّ تافه، يمرّ من حوله، و ماذا يعنيه منه إن تخطّف الناس ... تلك كانت هوايته القديمة قبل هذه الساعة لم يتفرّس جلجامش جيداً في ملامح الموت، ولم يبصر غضونه الغائرة لقد وقف الموت ينظر إليه، هذه المرة، و هو ينتزع عروق الحياة من جسد إنكيدو.
و لأول مرّة لا يستطيع جلجامش أن يهبّ لنجدة صديقه الوفي (أي نومٍ هذا الذي غلبكَ و تمكّن منك؟ لقد طواك ظلام الليل فلا تسمعني) لكن انكيدو لم يفتح عينيه فجسّ قلبه و لكنه لم ينبض و عند ذاك برقعَ صديقه كما تبرقع العروس وأخذ يزأر حوله كالأسد الملحمة، الدكتور طه باقر، ص127)
حتى هذه اللحظة، لايريد جلجامش أن يعترف بحقيقة الموت المؤكدة أمامه، يكنيهُ بالنوم (أيّ نومٍ هذا الذي غلبك ؟) ... يالها من حيلة دفاعية أخيرة يبذلها عقل جلجامش؛ ليحتفظ بقليل من الأمل..
يفوت الكثير ممن تعرّضوا لملحمة جلجامش أسرار وخفايا تظلّ معطّلة ومغلقة؛ لأنّهم إكتفوا بقراءة النص، قراءة أولية، ولأنّهم عجزوا من أن يهاجروا مع جلجامش هجرة الروح من أوروك إلى أرض الأمل.. إنّهم يتجادلون في الإسطورة، يتيهون في التفاصيل (الثور السماوي، الرجل العقرب، خمبابا، أوتونبشتم، الاشواك التي تحمل أحجارا كريمة، نبتة الخلود، الثعبان الذي سرق سرّ الخلود .... الخ) ... يبحثون عن معاني لتلك الرموز، و يغرقون أنفسهم و دفاترهم بالوحل دائماّ يتناسون تماماً، إنّها لغة تعبير تتناسب مع طبيعة المرحلة. قد لا يتوفّر للعقل منها الكثير إنّها مجرّد ضفاف لغوية يتدفّق خلالها تيّار العقل أو الوعي، أو الشعور بغربتنا في الوجود ...
(ندبته ستة أيام ، و سبعَ ليالٍ معللاً نفسي بأن يقوم من كثرة بكائي و نواحي و إمتنعت عن تسليمه إلى القبر فأبقيته ستة ايام و سبع ليالي حتى وقع الدود على وجهه) الدكتور طه باقر، الملحمة، ص134
(وقع الدود على وجهه) ، يواصل جلجامش حيله الدفاعية لإستبعاد حقيقة الموت عن جثّة صديقه؛ فالدود لم يأكل لحم إنكيدو فقط وقع عليه وفي حومة اليأس، ظلّ جلجامش يزأر حول الجثمان الهامد، كالأسد، في تلك الساعة التي بلغ فيها اليأس أوجه، و أضطر صاغرا أمام سلطان الموت أن يسلّم جثمان صديقه إلى التراب بعد أن نحت تمثالاً لصديقه من ذهبٍ أو فضِة أو مما يتناسب مع جوهر إنكيدو المحبوب في تلك الساعة ينقلب شيءٌ ما في نفس جلجامش، فمع حلكة الظلام نكون على بعد خطوات من الإنبلاج فلسفة السومريين المتجذرة في عروق الماء والطين، الحياة التي نقاسيها بالكدح و الدم، تعطي الموت كما تمنح الحياة، تظهر الزائل و الفاني، و تخبأ بذرة الخلود في أحشائها كحلمٍ ... ليس بعيداً أن يكون شيوخ أوروك وحكمائها الذين إستنجد بهم جلجامش قد اشاروا عليه أن يكف اليأس، ويبدأ رحلة البحث عن الخلود ...
تعلّم العراقيون منذ عهود السومريين الأوائل حكمةً مفادها: أن النفوس التي تخسر فرصة الإيمان بالنجاة؛ ستنطفأ كما ينطفأ السراج الذي ينضب زيته، ولسوف تتعفن في الجسد قبل أن يموت الجسد نفسه... هنا ، من نقطة الشروع هذه بدأ جلجامش رحلة البحث عن الأمل .. الحكمة التي عرضها السومريون في وقائع الملحمة تتكشف في خطوط متعاكسة، و متوازية، متمايلة، و متعرّجة كالفراتين يقطعان السهول و التلال و الصحارى، في دراما الحدث المتنامي عند خط اللقاء على شاطيء البحر. وبعد أن يتحدّى جلجامش الأهوال و يقطع الساعات و الساعات المضاعفة، يلتقي بسيدوري صاحبة الحانة التي تسارع فتوصد أبواب الحانة في وجهه، يبدو جلجامش في مظهر القاتل أو قاطع الطريق، يرتدي جلد الأسد، و قد إشعثّ شعره، و تلبّدت سحنته، و بانت دلائل توحشه، وبعد أن أنهكه التعب، و اضناه الجهد، و اضماه العطش، هاهو يقف عند أبواب سيدوري متوعداً، مزمجراً، عازماً على تحطيم الأبواب المقفلة في تلك الصورة التي توحي بالشرّ و بالعدوان و الإنتكاس إلى أدنى صور التوحش و البهيمية، تنهض في نفس جلجامش أصفى صور النقاء تنهض رسالته النبيلة في إنقاذ الجنس البشري كله من آفة الموت؛ ذلك ما تستبطنه روحه الأخلاقية العظيمة بالضبط، و تستكمنه
يا أورشنابي الملاح (الصورة)
إن هذا النبات عجيب لأحملنّه معي إلى اوروك، المحصّنة وأشرك معي الناس ليأكلوا منه يستطيع المرء أن يعيد به نشاط الحياة
(الدكتور طه باقر، الملحمة، ص165 – 166)
خطوط الإنزياح والتزايل تلك نقرأها واضحة في فلسفة صاحبة الحانة و شخصيتها المتأنقة ايضاً في مظهرها العام تبدو سيدوري فاتنة و جميلة، حكيمة، و متحدثة لبقة، متحضّرة و غنوج، و حاسمة، وفي دراميات حسيّة متنامية و متصاعدة، فهي المبادرة في تعليم جلجامش اصول الحياة، و لكنها تضمر خطوطاً روحية و أخلاقية هابطة و ناضبة، في دراما كامنة و متختلة و مراوغة؛ فهي ليست أكثر من إمرأة غنوج وغانية حانات
(مالذي انكرت فيّ يا صاحبة الحانة حتى اوصدت بابك بوجهي و أحكمت غلقه بالمزلاج لأحطّمن بابك و أكسر المدخل) ....... اجابت صاحبة الحانة جلجامش
(إن كنت حقا جلجامش الذي قتل حارس الغابة و غلبت خمبابا الذي يعيش في غابة الأرز ...... فلم ذبلت وجنتاك و لاح الغم على وجهك و علام مَلَك الحزن قلبك وتبدلت هيئتك وعلام تهيم على وجهك في الصحارى) - الدكتور طه باقر، ملحمة كلكامش، ص134
سيدوري تظن أن جلجامش مجرّد قاطع طريق وقاتل، غير أنها تعظه بفلسفة الموت و العبث نفسها التي نبذتها نفس جلجامش بعد أن أدرك قيم الإنسان العليا في شخصية صديقه إنكيدو و هي تظن أن ذلك هو قدر الإنسان، و عليه أن يعيش مستمتعاً بما تجود به الحياة، و لا يشغل باله بشيء أخر لا يمكن تحقيقه... تتكشّف عظمة روح جلجامش الرسالية المكافحة؛ إنّه يترفّع عن الرد على تلك الفلسفة الحسية الخاوية التي يعرض عنها بإزدراء وترفّع؛ لأنها لا تعني سوى الإنتكاس و الهبوط إلى ماقبل اللقاء مع إنكيدو، يوم كان يعيش على اللهو و العبث، و استعراض فنون القوة و الطيش ... يوم كانت الحياة دون هدف نبيل، و لا غاية إنسانية واضحة، تماماً كالحياة التي تعيشها صاحبة الحانة، و هاهي تنصحه بها ... فيالها من مفارقة
(إلى أين تسعى يا جلجامش إنّ الحياة التي تبغي لن تجد حينما خلقت الآلهة العظام البشر قدّرت الموت على البشرية و استأثرت هي بالحياة أما انتَ ياجلجامش فليكن بطنك مليئاً على الدوام و كن فرحاً مبتهجاً نهار مساء ..... اجعل ثيابك نظيفة و اغسل رأسك و استحم في الماء دلل الصغير الذي يمسك بيدك و إفرح الزوجة التي بين احضانك و هذا هو نصيب البشرية)
الملحمة، ترجمة الدكتور طه باقر، ص128
د. عدنان عبيد
We use cookies to analyze website traffic and optimize your website experience. By accepting our use of cookies, your data will be aggregated with all other user data.
نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحليل حركة المرور على الموقع الإلكتروني وتحسين تجربتك. بقبولك استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، سيتم تجميع بياناتك مع بيانات المستخدمين الآخرين.